يفترض الكثير من الناس أن عاداتهم العقلية ثابتة. فهم يعتقدون أنه إذا كانوا قلقين، أو سهلي التشتت، أو يميلون إلى التفكير السلبي، فإن هذه الميول هي ببساطة جزء من شخصيتهم.
يرسم علم الأعصاب الحديث صورة مختلفة تماماً.
إن الدماغ البشري ليس آلة ثابتة، بل هو نظام حيّ يُعيد تشكيل نفسه باستمرار استجابةً للتجارب. يُطلق العلماء على هذه العملية اسم اللدونة العصبية ، وهي تُمكّن الدماغ من إعادة تنظيم بنيته ووظيفته طوال حياتنا.
كل فكرة نفكر بها وكل عادة نكررها تُقوّي مسارات عصبية معينة. عندما يتكرر نمط ذهني معين بشكل كافٍ، يصبح الدماغ أكثر كفاءة في إنتاج هذا النمط مرة أخرى في المستقبل. وبمرور الوقت، تبدأ هذه الأنماط في تشكيل كيفية إدراكنا للعالم وكيفية استجابتنا للتحديات.
هذه العملية تعمل سواء كنا على دراية بها أم لا.
إذا استمررنا في التفكير في القلق أو الاستياء، يصبح الدماغ أكثر خبرة في توليد هذه المشاعر. وإذا استمررنا في تنمية الانتباه والتقدير والتعاطف، يصبح الدماغ أكثر قدرة على إنتاج هذه الصفات أيضاً.
لعقود طويلة، اعتقد العلماء أن إحداث تغييرات جوهرية في الدماغ يتطلب سنوات من التدريب المكثف. وقد بدت ملاحظات ممارسي التأمل ذوي الخبرة العالية مؤيدة لهذا الرأي. فقد كرّس بعض الرهبان والمتأملين عشرات الآلاف من الساعات لممارسة التأمل، وأظهرت أدمغتهم أنماطًا غير عادية من النشاط مرتبطة بالانتباه، والتنظيم العاطفي، والبصيرة.
لكن الأبحاث الحديثة كشفت عن شيء مشجع.
حتى فترات التدريب الذهني القصيرة يمكن أن تُحدث تغييرات قابلة للقياس في الدماغ.
في مركز العقول السليمة ، قمنا بدراسة أفراد من مختلف مناحي الحياة - معلمين، وضباط شرطة، وطلاب جامعيين، وآباء، وأفراد يواجهون تحديات كبيرة في الصحة النفسية. تعلم المشاركون ممارسات بسيطة مصممة لتعزيز الانتباه والتعاطف والوعي الذاتي.
في بعض الدراسات، تدرب المشاركون لبضع دقائق فقط كل يوم.
على الرغم من الوقت المحدود المطلوب، لاحظنا تحسناً ملحوظاً في الصحة النفسية. أفاد المشاركون بانخفاض في التوتر والقلق، إلى جانب زيادة في الوعي الذهني والتواصل الاجتماعي. لم تقتصر هذه التغيرات على مقاييس التقييم الذاتي فحسب، بل ترافقت أيضاً مع تغيرات في نشاط الدماغ المرتبط بتنظيم المشاعر والشعور الإيجابي.
ومن أبرز النتائج التي توصلت إليها دراسة شملت مئات من موظفي المدارس خلال ذروة جائحة كوفيد-19، أن المعلمين والموظفين مارسوا تمارين قصيرة تستند إلى مهارات الازدهار الأربع لمدة خمس دقائق فقط يومياً.
في غضون أسبوع، بدأ العديد من المشاركين بالإبلاغ عن تحسن في صحتهم النفسية. انخفضت مستويات التوتر، وازدادت مشاعر التواصل، ووصف المشاركون توازناً عاطفياً أكبر في خضم فترة صعبة للغاية.
والأمر الأكثر تشجيعاً هو أن الفوائد استمرت في التزايد مع مرور الوقت. فعندما تابع الباحثون الأمر بعد أشهر، لم تختفِ الآثار الإيجابية، بل في كثير من الحالات، تعززت.
تشير هذه النتائج إلى أن العقل يستجيب للتدريب بشكل مشابه لاستجابة الجسم.
وكما تزداد قوة العضلات من خلال التمارين المتكررة، فإن الدوائر العصبية التي تدعم الازدهار تصبح أقوى من خلال الممارسة العقلية المتكررة.
المغزى بسيط ولكنه عميق.
إن الازدهار ليس مجرد نتيجة لظروف مواتية، بل هو نتيجة لتنمية عادات ذهنية معينة، وهي عادات يمكن لأي شخص تعلمها.
من السهل أن نتصور الازدهار كشيء يحدث عندما تسير الحياة على ما يرام. فعندما تكون علاقاتنا مستقرة، وعملنا مُرضٍ، وصحتنا جيدة، نشعر بشكل طبيعي بمزيد من التوازن والتفاؤل.
السؤال الحقيقي هو ما إذا كان الازدهار يبقى ممكناً عندما تصبح الحياة صعبة.
يفترض كثير من الناس أن الشدائد تحول دون إمكانية الازدهار. فهم يعتقدون أنه إذا أصبحت الظروف قاسية للغاية - كالضغوط المالية أو المرض أو الفقد أو الصدمة - فإن القدرة على الشعور بالرفاهية تختفي.
تشير الأبحاث إلى شيء أكثر دقة.
مع أن المصاعب قد تجعل الازدهار أكثر صعوبة، إلا أنها لا تقضي على إمكانية النمو أو الرفاهية. في الواقع، يكتشف الكثيرون أقصى درجات مرونتهم ومعنى حياتهم تحديداً خلال أصعب فتراتها.
لفهم السبب، نحتاج إلى دراسة كيف تؤثر الشدائد على الدماغ.
يمكن أن يؤثر التوتر والصدمات على أنظمة الدماغ المسؤولة عن تنظيم المشاعر واكتشاف التهديدات. وقد أظهرت الدراسات التي أجريت على الأطفال الذين تعرضوا لشدائد في سن مبكرة أن التوتر المزمن يمكن أن يغير من نمو بنى الدماغ مثل اللوزة الدماغية والحصين، وهما منطقتان تلعبان دورًا مهمًا في معالجة المشاعر والذاكرة.
تُظهر هذه النتائج أن الشدائد قد تترك أثراً بيولوجياً. فالضغط النفسي في المراحل المبكرة من العمر قد يُصعّب تنظيم المشاعر أو الاستجابة بهدوء للمواقف الصعبة.
لكن هذا ليس سوى جزء من القصة.
إن نفس مبدأ المرونة العصبية الذي يسمح للمحن بتشكيل الدماغ يسمح أيضاً للدماغ بالتغير بطرق إيجابية.
تساعد ممارسات التدريب الذهني التي تنمي الوعي والتعاطف والبصيرة على تقوية الدوائر الدماغية المرتبطة بالتوازن العاطفي والمرونة النفسية. ومع مرور الوقت، يمكن لهذه الممارسات أن تخفف من بعض آثار الإجهاد المزمن.
هذا لا يعني أن الازدهار يتطلب تجاهل المشقة أو التظاهر بأن المعاناة غير موجودة.
يشمل الازدهار القدرة على الاستمرار في التفاعل مع الحياة حتى في ظل الظروف الصعبة. عندما نزدهر، لا نكون سعداء طوال الوقت، بل نُوظّف أفضل ما في قدراتنا الإنسانية - من وضوح وتعاطف ومرونة وهدف - في أي موقف نواجهه.
يساعدنا الوعي على إدراك المشاعر الصعبة دون أن تغمرنا.
إن التواصل يسمح لنا بالبقاء منفتحين على الآخرين بدلاً من الانعزال.
تساعدنا البصيرة على فهم الأنماط الذهنية التي تشكل كيفية تفسيرنا للمحن.
إن وجود هدف يوفر الدافع للاستمرار في المضي قدماً حتى عندما تكون الظروف صعبة.
تشكل هذه المهارات مجتمعة الأساس للمرونة.
بدلاً من أن تحددنا المصاعب، نطور القدرة على النمو من خلالها.
لطالما ناقش العلماء في علم النفس والفلسفة معنى عيش حياة جيدة.
تُركز بعض التقاليد على الرفاه الهيدوني، الذي يُعنى بالمتعة والسعادة وتجنب الألم. بينما تُركز تقاليد أخرى على الرفاه الإيودايموني، الذي يُعنى بالمعنى والفضيلة وتحقيق الإمكانات البشرية.
تشير الأبحاث المتعلقة بالازدهار إلى أن كلا المنظورين يجسدان جزءًا من الحقيقة.
إن الازدهار ينطوي على تجربة مشاعر إيجابية ورضا عن الحياة. ولكنه ينطوي أيضاً على العيش بما يتماشى مع القيم، وتطوير علاقات ذات معنى، والمساهمة في شيء أكبر من ذواتنا.
يتوافق هذا الفهم الأوسع للرفاهية بشكل وثيق مع المهارات الأربع التي قدمناها سابقًا: الوعي، والتواصل، والبصيرة، والهدف.
تساهم كل من هذه القدرات في الازدهار بطريقة مختلفة.
يُمكّننا الوعي من الانخراط الكامل في اللحظة الراهنة. فعندما يكون الوعي قوياً، نصبح أقل تأثراً بالمشتتات والاضطرابات العاطفية، ونكتسب القدرة على تركيز انتباهنا والتحكم في انفعالاتنا.
التواصل يعزز علاقاتنا ويغذي الروابط الاجتماعية الضرورية لرفاهية الإنسان. التقدير واللطف والتعاطف تساعد في تهيئة الظروف اللازمة للثقة والدعم المتبادل.
إنّ البصيرة تُعمّق فهمنا للعقل. فمن خلال التأمل والاستقصاء الذاتي، نبدأ في إدراك المعتقدات والافتراضات التي تُشكّل كيفية تفسيرنا لتجاربنا.
يُضفي الهدف إحساساً بالاتجاه. فعندما نشعر بالارتباط بأهداف أو قيم ذات مغزى، تصبح أفعالنا متوافقة مع دافع أعمق.
والأهم من ذلك، أن هذه المهارات ليست مجالات منفصلة في الحياة.
إنهم يتفاعلون باستمرار، ويشكلون طريقة تفكيرنا وشعورنا وتصرفنا.
فعلى سبيل المثال، عندما يزداد وعينا، نصبح أكثر قدرة على ملاحظة ردود الفعل العاطفية التي تنشأ خلال المحادثات الصعبة. ويُمكّننا الفهم من إدراك سبب حدوث تلك الردود. ويشجعنا التواصل على الاستجابة بتعاطف بدلاً من الدفاع عن النفس. ويُذكّرنا الهدف بأهمية الحفاظ على العلاقة.
من خلال الممارسة المتكررة، تبدأ هذه المهارات في تعزيز بعضها البعض.
لا تتطلب هذه العملية تغييرات جذرية في الحياة.
بدلاً من ذلك، يتطور الازدهار من خلال أفعال صغيرة تتكرر باستمرار مع مرور الوقت. لحظات الوعي أثناء المشي، أو تأملات قصيرة في الامتنان، أو أعمال بسيطة من اللطف، يمكن أن تعيد تشكيل عاداتنا الذهنية تدريجياً.
وبهذه الطريقة، يصبح الازدهار جزءاً لا يتجزأ من نسيج الحياة اليومية.
ليس الهدف هو القضاء على التحديات أو تحقيق حالة دائمة من السعادة، بل الهدف هو تنمية القدرات الداخلية التي تمكننا من مواجهة الحياة بوضوح وتعاطف ومعنى.
عندما تصبح هذه القدرات جزءًا من عاداتنا اليومية، يتوقف الازدهار عن كونه تجربة نادرة ويصبح أسلوب حياة.